من أجل صرصور

27 أغسطس, 2010 | عام | قراءات: 3,293

كثيراً ما جلست وفكّرت وتأملت في أولائك المبدعين ، كيف استطاعوا أن يبدعوا ويتميزوا بين زحمة المحبّطين والسلبين والانهزاميين من البشر وكيف أنهم استمروا في ابداعاتهم رغم هذه الأجواء . من أين اكتسبوا هذه المناعة ؟ ولماذا هم بالذات ؟ وأية ظروف عاشوها حتى أصبحوا مبدعين؟

ثم بدأت بأخذ عينات من محيطي القريب (الأصدقاء والأقرباء) وبحثت بينهم عن المبدعين والمتميزين لأقوم بدراسة بسيطة عن حياتهم وما هي الأسباب التي جعلتهم متميزين . وابتعدت كل البعد عن المتميزين من العرب والعجم حتى لا أقع في فخ المقارنة بين ظروفهم وظروفنا .

اكتشفت بعدها أن القاسم المشترك بين هؤلاء المبدعين هم أشخاص وقفوا بجانبهم وقاموا بتوجيههم منذ نعومة أظفارهم ونمّوا مواهبهم بعد اكتشافها و و …

فها هو أحد أصدقائي تخرّج من الجامعة بدرجة امتياز بعد أن كان يدرس على حساب الجامعة (كمنحة) بسبب تفوقه وهو الآن مرشح لبعثة خارج سوريا مع العلم أنه كان يعمل خلال دراسته براتب مغري نوعاً ما ، وانهالت عليه عروض عمل من شركات أجنبية عريقة في مجال البرمجة خلال فترة دراسته . فإذا نظرنا لسبب نجاحه الرئيسي نجد وقوف خاله وراءه منذ نعومة أظفاره.

مثال آخر ، صديق آخر من المبدعين كان والده لا يبخل عليه بشراء الكتب العلمية وخاصةً البرمجة منها وكان لديه كمبيوتر في زمن كان  انتشار الكمبيوتر ضعيفاً وكان يقضي جُّل وقته في تعلم البرمجة .

هناك الكثير من الأمثلة التي كان هناك من يقف بجانبها منذ نعومة أظفارها وتوجيهها وتنمية موهبتها ، ولكن ما أريد الإشارة إليه هو أن مستقبل الطفل يبدأ من والديه فهما يوجهانه إما إلى النجاح والابداع أو إلى الفشل والضياع . ثم تأتي المدرسة والناس المحيطة به ، فالعبارات التي يسمعها من هنا وهناك إما أن تكون مشجعة أو مثبّطة . كثيراً ما سمعت عبارات تخرج من فم الأهالي (يا فاشل ، يا شحاد ، أنت لن تصلح لشيء …) هذه العبارات تؤثر بشكل أو بآخر في نفسية الطفل حتى أنه يقوم بتبرير فشله لاحقاً وتزرع في مخه أنه فاشل وأنه مهما عمل لن ينجح وبالتالي يكون الأهل سبباً في فشله مسبقاً . بعكس عبارات التشجيع فهي تزرع في الطفل عنصر التحدي والمواجهة والنجاح ، حتى أنه يضع هدفاً لحياته إما أن يصبح طبيباً أو مهندساً أو أي مجال ضمن هوايته .

والآن ما علاقة عنوان التدوينة بالمحتوى ؟

“من أجل صرصور” هذه عبارة لن أنساها أبداً وهي سبب كتابتي لهذه التدوينة ، في عام 1986 م كان اليوم هو يوم جمعة ، وكالعادة كنت عائداً من صلاة الجمعة للتو وكنت أُعدّ لاختبار يوم السبت (اليوم التالي) وقد كان في مادة الرياضيات . كان بيتنا عبارة عن طابقين وغرفتي في الطابق العلوي ، فبينما أقوم بمراجعة ما ذاكرته وإذ بصوت أمي يصدح في أرجاء المنزل وبالتحديد من الطابق السفلي “يا طارق هناك صرصور في المطبخ تعالَ واقتله” وحيث أنني كنت ماهراً في قتل الصراصير فهي من أحد هواياتي الفتاكة استجبت للنداء مسرعاً وبينما كنت أنزل من الطابق العلوي وإذ برجلي تنزلق وأقع من أول الدرج إلى آخره.

استيقظت على صوت أمي وهي تسألني “هل أنت بخير” أجبتها “الحمد لله” ولكن كأنني أراها لأول مرة فقد فقدت الذاكرة بشكل مؤقت ، استمر فقدان الذاكرة حوالي 10 دقائق ، لم تخف أمي على شيء بقدر خوفها على اختبار يوم غد حيث أنني لم أتذكّر مما درست أي شيء.

بدأت ذاكرتي ترجع شيئاً فشيئاً إلى أن دقّ جرس الباب وهنا بدأت القصة ، كان بالباب أحد أقربائي اضطررت لاستقباله مع العلم أنني كنت أخاف منه فقد كان رحمه الله جبّاراً قوياً شديداً ضخم القامة حتى كانت السيجارة تأنّ بين أصابع يديه ، للأسف فقد كان والدي يحضر أغراضاً للمنزل ولا يوجد أحد في استقباله غيري. المهم سألني “ما بالك مصفرّ الوجه” فرويت له ما حدث معي وهنا رفع رأسه إلى السماء وبدأ يقهقه بصوته الجهوري قائلاً “أمن أجل صرصور حدث لك هذا” واستمر على هذا المنوال لمدة نصف ساعة حتى أتى أبي وخلصني من الموقف . نصف ساعة شعرت بها أنني ضعيف جداً وأنني لست برجل فقد رسّخ في ذهني الضعف والجبن عندما يكرر العبارة الكريهة “أمن أجل صرصور حدث لك هذا” .

استمر بالاستهزاء بي كلما رأني على مدى شهر كامل ، تخيلوا معي شعوري كلما رأيته . بتُّ أكره رؤيته ، لقد أحبطني احباطاً شديداً .

استيقظت في صباح يومٍ على صوت أبي يطلب مني الذهاب معه لرؤية قريبي هذا ، رفضت بشدة ولكنه عندما أخبرني أنه في العناية المركزة هنا أحسست بشعور غريب. سألته ماذا حصل ؟ لماذا هو في العناية المركزة ؟ وهنا كانت المفاجأة ….

روى لي والدي القصة ، كان قريبي هذا جالساً بين أولاده الذكور الستة وإذ بصوت ابنته ينادي “أبي أبي … هناك صرصور” ، همّ الأولاد لنجدة أختهم ولكن منعهم قريبي من الذهاب قائلاً “أنا سأقتل هذا الصرصور”.. سأل عن مكانه فقالت ابنته أنه فوق الخزانة ، أحضر الكرسي ووقف عليه ثم رفع نفسه قليلاً ليرى سقف الخزانة وإذ بالصرصور يأتي باتجاهه مما جعله يفقد توازنه ويقع من فوق الكرسي ليصطدم رأسه في حافة السرير ويدخل في غيبوبة .

توقف في القلب ، كسر في الجمجمة ، ارتجاج في المخ وغيبوبة ، لا حول ولا قوة إلا بالله … بعدما سمعت القصة لا أدري هل أحزن عليه أم أعتبر أن هذا رداً إلهياً على استهزائه بي . قلت لوالدي وكان قد مر على الحادثة شهر “هل أقول له .. أمن أجل صرصور حدث لك هذا؟” ، نهرني والدي وقال لي “إياك وهذا” … عاش قريبي بعد هذه الحادثة حوالي 12 سنة ثم توفاه الله ..

خلاصة التدوينة هذه ، إياكم والعبارات السلبية إياكم والاستهزاء بالأطفال .. لازالت هذه العبارة تذكرني بلحظات كئيبة ولكنني أذكرها ليس لأبين ماذا حصل بقريبي ولكن لأركّز على نفسيتي التي أٌحبطت وأنا طفل بسبب هذه العبارة.

ملاحظة : الصورة في الأعلى ليست صورتي في تلك المرحلة :) .

الوسوم :

مواضيع متعلقة

تعليقات (17)

 

  1. ما شاء الله عليك، أسلوب رائع في الكتابة، وتحليل منطقي. معك كل الحق، وصدق رسول الله عليه الصلاة والسلام إذ قال: (إن الرجل ليتكلم الكلمة لا يلقي لها بالاً فيهوي بها في جهنم سبعين خريفاً).

    الإنسان عليه أن يختار، إما أن يكون رافعاً للآخرين، بحيث يكون حضوره خيراً لكل من حوله، ويكون كالنحلة لا يأكل إلا طيباً ولا يضع إلا طيباً، وإما أن يكون محبطاً عندما يكون موجوداً تحيط بالجو هالة من الكآبة والإحباط والخوف، فليختر كل إنسان ما سيكون عليه، وما الأثر الذي يريد أن ينتج عنه، وما الذكرى التي يريد أن يتذكرها الآخرين عنه.

    • طارق السعدي قال:

      شكراً لك دكتور ، للأسف إن واقع بث ونشر عبارات الاحباط انتشر بشكل كبير في مجتمعاتنا لدرجة أنه لا يمر يوم إلا وتسمع إحداها ..
      أعتقد أنه من واجبنا أن نغير هذه الفكرة عند المتشائمين ونزرع فيهم روح التفاؤل والأمل. وهذه مسؤوليتنا نحن من ندّعي التفاؤل …

      أذكر أنني عندما مررت بمرحلة كنت فيها في أوج الاحباط كنت أحفّز الشباب وأشجعهم وأنا في الحقيقة من كان بحاجة لتشجيع .

  2. يحيى الخطيب قال:

    قصة مشابهة:
    في عام 1988 وكنت حينها في الصف السابع ومع بدايات تعلم اللغة الإنكليزية، والمهم وأثناء اجتماع عائلي في بيت جدي وبحضور جميع أعمامي وأولادهم وأثناء تبادل الأحاديث مع أولاد عمي اخطأت بجمع كلمة Mouse لأقول Mouses، وإذا بأحد الأشخاص الذي ناهز الخمسين عاماً كان ينصت لحديثنا فانتفض واقفاً و انهال علي بجمل الإستهزاء والسخرية كما سخر من جيلنا الجاهل البطيء التعلم وصاحب المخ البليد و…… طبعاً وصلت إلى مرحلة من الإحراج أمام هذا الجمع لا يمكن تخيلها حتى انسحبت بهدوء بعد أقل من ربع ساعة.
    ومرت السنين حتى وصلت إلى مرحلة البكلورية، وقد تتذكرون أنه في كتاب اللغة الإنكليزية ندرس موضوع كامل عن كلمة satellite كما أن تلك المرحلة تزامنت مع دخول الدشات إلى سورية وكان الدش أو الستلايت حديث الشارع.
    المهم وباجتماع عائلي مشابه جداً للسابق كان الحديث يدور حول الدش ومحطاته فبدأ هذا الشخص بالتبجح حول معنى كلمة ستلايت وبرأيه الكلمة مركبة وهي عبارة عن City + Light وأن الستلايت هو عبارة عن إضاءة للمدن…… فما كان مني إلا أن انتفضت واقفاً وانهلت على فريستي السهلة لأسترد كرامتي الضائعة لمدة ست سنوات.
    الفكرة من التعليق أن جمل السخرية والتثبيط لا تأتي إلا من عقد نقص لدى صاحبها والهدف منها دائما إخفاء هذه العقد أو المخاوف بإظهار نقاط الضعف لدى الأخرين.
    وللأسف حتى الوالدين وبجهل منهم يفرغون عقد نقصهم بأولادهم ليتوارث الأطفال عقد آبائهم.
    حتى أنا بسبب الموقف المحرج الذي تعرضت له تكونت لي عقدة خفية كمدت ست سنوات لتنفجر فجأة بوجه مسببها، ولو أني تعرضت لهذا الموقف عدة مرات لأصبحت هذه العقدة جزء من شخصيتي تظهر أمام الجميع وتسبب الإحراج لي ولمن حولي.
    الحمد لله ، الله ستر كانت مرة وحدة وفشيتها بيلي بيستاهلها

    • طارق السعدي قال:

      ممتاز أخي يحيى .. لقد تفوقت عليّ ، فأنت أخذت بحقك منه في موقف مشابه أما أنا لم أستطع لأنها كانت ستعتبر شماتة والعياذ بالله ..

      شكراً لمرورك

  3. CrEaTiVe قال:

    لا إله الا الله ..

    قصتك فعلاً غريبة ..!!

    أشكرك على النصيحه .. بارك الله فيك .. وغفر الله لقريبك ..

  4. اول اهنيك علي اختيارك لهذا العنوان الرائع الملفت لي النظر

    والله يرحم قريبك فعلا كما تدين تدان

    شكلك كنت داعي عليه ذاك اليوم يوم

    بس الله يرحمه يارب ويسكنه في فسيح جناته

    وصدقت كثير ما نسمع هذي العبارات يا غبي ما تفهم انت اهبل ويا حمار ويا حيوان وهذا غلط

    تصدق اعرف واحد كان معانا في المدرسه تضارب مع الاستاذ عشان قاله يا غبي ويوم راح لي المدير واستدعو ولي امر الطالب قال كذا ولدي يكره ويعصب اذا احد قاله يا غبي او حمار قول انا اظرب الولد ولا اقوله يا غبي ولا حمار عنده الظرب ولا السب والشتيمه

    وبصراحه انا ما احب استخدم الكلمات هذي ولما اجي اقول لي احد يا اغبي اقوله يا ذكي او انت حفله

    احاول قدر المستطاع ان ابتعد علي الكلمات السلبيه

    وصدقت ورى كل شخص مبدع هناك من ساعده ونمى مهاراته من الصغر

    وايضا التشجيع لما الانسان يحصل تشجيع من شخص هو يحبه صدقني راح يبدع ويسوي المستحيل

    اعجبني الموضوع كثير واحزنت ايضا القصه اكثر واكثر

    بس احذر يا اخوي ان تتشمت في الناس حتى لو هو تشمت فيك وراح يجي يوم وتاخذ حقك وهذا ربك اخذ بحقك منه :)

    • طارق السعدي قال:

      شكراً لمرورك أخي الكريم ، معاذ الله أن أشمت بالناس ولكن هدفي من ذكر هذه القصة هو التركيز على الأثر السلبي الذي يتركه الكبار عندما يستهزؤا بالصغار أو يٌحقّروهم.

      شكراً لمرورك

  5. ابن الأرض قال:

    والله صحيح

    هذه العبارات جداً تؤثر على الأطفال صغار السن

  6. قلب ينبض قال:

    كثيرا مــا تحبطنــا مواقفنـا في الحيــاة ..

    حتى نشعر باننــا ” لا شيء ”

    و نفقد تقديرنــا لذاتنــا ..

    بسبب هذه الكلمــات التي يلقيها الأهل بدون أي تفكير في العواقب ..

    لكــن ..

    يبقى هنــاك ضوءا مــا ..

    قابع في داخلنــا ..

    ابحث عنهـ ..

    ستجده بالتأكيد ..

    و أبدأ بالبحث عن مميزاتك ..

    و تذكر ايجابياتك ..

    و انطلق ..!

  7. بلال سمارة قال:

    المشكلة في كبار السن أنهم يستخفوا بالأطفال الذين من حولهم ويرددو عبارات لسعته صغير هذا وللأسف واقعنا الذي نعيشه ، مع العلم ربما يوجد من أؤلئك الصغار من سيكون له شئن كبير.
    المغزة في القصة أننا تعودنا على التقليل من ذكاء الأطفال وإستسقائهم جرعة أنهم لايفهمون وأنهم صغار.
    واعيذ هذا الأمر لجهل بعض الأشخاص الكبار في السن لأنهم ولسبب ما لم يتمكنوا من التعلم فلربما كان هذا أحد الأسباب.
    وسبب آخر استنتجته وهو أن معظم الأشخاص الكبار في السن لايريدون من هؤلاء الأولاد أن يكونوا في معرفة لبعض الأمور أكثر منهم والله أعلم.

    مو حلوة بحقن يعني؟؟؟
    ولد صغير بيفهم أكتر منن … عيب والله.

  8. أحببت أن اتعرف عليك اكثر من خلال اطلاعي على مدونتك المميزة والجميلة
    ارجو لك التوفيق ومن اليوم اعتبرني من المتابعين لك

    • طارق السعدي قال:

      شكراً لك أخي خليل ، المدونة ستكون مميزة بتفاعلكم معها وبأفكاركم التي ستغنيها بإذن الله.

  9. أحمد قال:

    فى البداية أسلوبك جميل فى السرد ما شاء الله
    الحمد لله أنك لم تقل لقريبك “أمن أجل صرصور حدث لك هذا؟” وبارك الله فى والدك فى توجيهه لك بذلك
    الموضوع رائع وجميل ،جزاكم الله خيرا

  10. Rose.. قال:

    تدوينه رااااائعه… اسلووب جميل.. وعنوان ملفت..

    اقشعر جسدي من القصه..

    ان شاءالله من اليوم و رايح ح انتبه لكلامي..

    مشكووووور..

  11. قصة مؤثرة جداً.. الحقيقة أني زعلت على قريبك لأنه كان كبيراً في السن ولم يتحمل الحادث..
    سبحان الله

  12. روان العتيبي قال:

    كثير و كثير جدًا تحدث لنا مواقف مع الآخرين وتترك آثارًا كبيرة من الصعب

    ان تُنسى ، عندما افكر في طفولتي تظهر العديد من الصور الا انّ من

    اقساها تلك التي تكون مواقف يعتقد الكبار انها مجرد “لا شيء ” ، ومن ثمّ

    يعيش الطفل حزن تعليق أو ضرب وحتى وإن كان لفترة معينة او لسبب

    كبير ، والآن انا ومن حاصل تلك السنوات التي عشتها ايام طفولتي اعلم

    يقينًا بان الطفل ذو الخمس سنين يشعر بكامل المشاعر ويمكنه تفسير

    كل ماحوله ، حتى الكذب على الطفل له اثره السلبي لان الكذب يدل

    على احتقار الشخص الذي امامك … وفقط للتتذكر (ذاكرة الطفل ذاكرة

    عامرة بالخيرات كل مايسجّل فيها لاااااا يُنسى ابدًا ، فلهذا من الجميل

    تقدّر الطفل كشخص كبير وتعامله باحترام وبكثير من الحب و الود والالفة

    فبهذا لن ينسى ذلك الطفل ما فعلته لاجله “

إضافة تعليق

أعمال هوست مدونات سورية Free Page Rank Tool